Eid in Amman, 2026. Posted in Feature

لعيدٍ أسعد: بين فراغ العيد وعودة إلى النوستالجيا 

في ليلة الوقفة، نرى عَمَّان مدينةً تعيش بين الصمت والضجيج، حيث يأتي الفرح ناقصًا، لكنه لا يختفي تمامًا.

Text عبدالله شرّو | Photography سارة القنطار

والآن، في آخر أيام رمضان، ليلة الوقفة. لم تكن هناك وقفة، كانت ليلة مليئة بالضجيج، بأصوات تتبعها أصوات، ودائمًا ما تبدأ بصفارات الإنذار التي تلحقها الكلاب في البيوت، ومن ثم يظهر صوت الشتاء والريح، ومن ثم تعود الصافرات لتكرر الدوامة. صفارات لا تتعب، تدخل في الجدران، في الجلد، في النوم، تجلس بيننا كعتم حالك في زوايا رؤيتنا، كضيف لم يدعه أحد، ثقيل لا يعرف متى يجب أن يغادر، حتى وإن طُلب منه ذلك بعد أن غادر الجميع

كنت أريد أن أصدق أن الغد عيد، أن هناك صباحًا مختلفًا، أن هناك سببًا واحدًا على الأقل يجعلنا نقول “كل عام وأنتم بخير”، لكن حتى الجمل تعبت من المساءلة.

في مكانٍ ما، لا أعرف إن كان قريبًا أم فقط في جوفي… وصل العيد. لكن ليس هنا.

هنا، العيد مرّ دون أن يمر حقًا، مرّ كفكرة، أو كاقتراح، أو كجملة ناقصة نقولها مضضا، ثم ندرك مدى غرابتها حين نطقها: “كل عام وأنتم…” وتسكت. قرابة الثلاثة أعياد مرّت، وفي كل مرة نقولها وكأن حالنا في السنة السابقة هي الخير الذي نتمناه ونأمله لبعضنا، والخير الحاني هو ما نرفضه ونريد زواله!

هل عاد أي شيء بخير؟

ربما لا، لكن العاصفة عادت، ليس كحالة طقس فقط، بل كإشارة، أو ربما تذكير. الريح تضرب النوافذ، والمطر والبرد ينزلان بكثافة مضاعفة عن أي من أيام رمضان الأخيرة، وكأنها تحاول غسل شيء كبير، أكبر من الشوارع.

البرق جميل للحظة… لكنه سرعان ما يختفي.

في ظنّي، أشارك الأطفال حب البرق وحماسهم، يركضون نحوه ويصرخون، ويشيرون للسماء بأصابعهم الصغيرة، وكأنهم يحاولون التقاطه أو يطلبوني الإمساك به لهم.

يحبّون الضوء لأنه سريع، أو ربما لأن أثره لا يبقى.

لكنهم يخافون من الرعد، يخافون الصوت الذي يأتي متأخرًا، من الشيء الذي يلحق الضوء ويكسره.

مثل الصافرات، تأتي أولًا، ومن ثم تلحقها أسراب الصواريخ التي لم نعد نراها من شدة العاصفة، لكن نسمعها ونحسّ ارتدادها عندما تنفجر.

الأطفال لا يفهمون، لكنهم لا يحتاجون أن يفهموا ليشعروا

يسألون أسئلة كثيرة، تبدو صغيرة لكنها كبيرة

ولا أحد يجيبهم، ولا نجيبهم، لكن بطريقة ما…

كل منا يجد شبه إجاباته، إجابات تشبه الضمادات

تغطي وتساعد على الشفاء، لكنها لم توجَد لتشفي

في صباح العيد، قلت: “كل عام وأنت بخير عمي”، لرجل ظننتني أعرفه من الحي! ابتسم لي، وتحدثنا قليلًا في العموميات. سمعت صوتي وكأنه يخرج من شخص آخر… جملة محفوظة في عضلة لساني، تُقال في وقتها، ربما وخزة لمحادثة جميلة، لكنها لا تجد مكانًا لتستقر فيه حقًا. حاولت تكرارها مرة، مرتين، وعشر مرات، وأحيانًا أملأ فراغ الحديث بها، أحاول فرضها على نفسي ومن أحاول حديثه في الشارع، علّني أجد العيد، أو تُصلح معايدتي شيئًا ما مكث في الجو، ثقيل لا يتزحزح مهما حاولنا، أو ربما تفتح مجالًا للاطمئنان.

لكن الكلمات مثلنا… تتعب أحيانًا!

أتذكّر أبي، أو النسخة التي احتفظت بها منه. كان يبدو ثابتًا، واضحًا، كأنه يعرف ما الذي يحصل فوق الغيوم، تحت الأرض، وخلف الجدران… مطمئن! والآن أفكّر، ربما كان فقط يصمت بشكل أفضل.

قلة هم الرجال الذين قابلتهم وقالوا إن العيد لم يأتِ، هم فقط يجلسون، ويشربون القهوة، وينظرون إلى هواتفهم أكثر مما ينظرون إلى بعضهم، ويتبادلون جملًا قصيرة: “كيف الشغل؟”، “تمام…”، “شو الأخبار؟”

الأخبار؟ الأخبار كلمة غريبة!

كأنها شيء يمكن حمله، أو تجاهله، أو حتى استيعابه، وكأنها ليست في الغرفة، حاضرة بثقل الإسمنت من تحتنا. يقوم أحدهم ويلقي نكتة سوداوية خفيفة بطريقة غريبة، ومع ذلك يضحك الجميع، ضحك لا يشبه الضحك، ضحك أقرب إلى إخراج شيء عالق، شيء لا يريد أن يُسمّى. وبالحديث عن الأمور العالقة! لم أرَ شخصًا يبكي في العيد، لكنني شعرت لسبب ما أن البكاء لا يختفي… ربما يتحوّل.

ربما يتحوّل إلى صمت غير مريح

إلى يد تقبض وتتعرّق دون سبب

أو إلى حكّة تحت الجلد والأظافر

إلى صوت منخفض… مستمر

صوتًا يشبه صفارة الإنذار

لكنه هذه المرة في الجوف

طنينٌ من الداخل

حتى أنصف العيد مجددا، أعتقد أنه ليس غائبًا حقًا.

هو هنا، بشكل ما، هنالك محاولة، في اللبس الجديد، في القهوة، في الضيافة، وفسحة المعايدة في الشارع حجة لبدء حديث مع أهل الحي، في الطفل الذي يصرّ أن يفرح حتى لو لم يفهم لماذا، حتى بعنف، وإن لم يعرف حجم ما يعانده بعد. العيد هنا، ربما بشكل ناقص، مشوّه قليلًا، كالأسلحة البلاستيكية التي يحملها الأطفال، لا تطلق إلا أصواتًا أو خرزًا مزعجًا.

كأن العيد وصل بعد أن انتهى كل شيء، أو قبل أن يبدأ.

وأنت وأنا نقف في هذه الفراغات الغريبة، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن، نحاول أن نصدق، ولو قليلًا، أن هناك عيدًا، أو أن هناك طريقة ما لنصل إليه…

نصر قريب، بشكل غريب.

No more pages to load

Keep in touch with
Dazed MENA