Text خالد ع. | Photography كفراوي
في كل حلقة من راب شارع، يظهر بلاك بي مقنّعًا، ممسكًا بالميكروفون. يقف محاطًا بموسيقيين تنتمي جذورهم إلى شوارع طرابلس والقاهرة والخرطوم والرياض، ومدينته الأم الإسكندرية، مترقّبين دورهم للغناء. عادةً ما يفتتح ببضع كلمات يعلن فيها موقع الحلقة، مُشيرًا إلى محطة جديدة في منصّته (أو “البرنامج” كما يسميها) المكرّسة لتوثيق ثقافة الهيب هوب والراب العربي. وما يلي هذه المقدّمة هو عرض مواهب وأصوات تُشكلها الشوارع بما تحملها من صراعات وأفراح. لا يُقصى الفنانون الصاعدون إلى الهوامش في هذا البرنامج، بل يتصدرون إلى قلب المشهد، حيث يصفّقون ويدعمون بعضهم حين يصلهم الميكروفون من يد بلاك بي.

يقول بلاك بي: “انجذبت إلى الراب لأنه يمنحني حرية مطلقة في الكتابة ووصف كل ما أعيشه وأمرّ به”. ويضيف: “من خلال الراب، يتجاوز صوتي كل الحدود ويصل إلى أجيال مختلفة”. انغمس بلاك بي على مدى سبع سنوات في الاستماع إلى الراب من مختلف مناطق العالم، وكان له اهتمام خاص بمشهد الراب المغربي. كان للمشهد ميزات وقدرات صوتية رائعة، لكن ما جذبه خصوصًا في هذا المشهد كانت الطريقة التي يرعى بها الفنانون المخضرمين المواهب الصاعدة، ويدعمونها في كل خطوة في رحلتها.
كان هذا تحديدًا ما لاحظ اختفاؤه في الإسكندرية، حيث نشأ وكتب أول أغنية راب له تحت عنوان “فيلنكات”. سرعان ما أدرك بلاك بي أن المشكلة لم تكمن في غياب الموهبة؛ فشوارع مدينته كانت تفيض بها، وكان يراها ويسمعها في كل زاوية. لكن العائق بينها وبين وصولها لأي منصة كانت الظروف المادية والبنية التحتية المتهالكة التي تفضّل الأرباح المادية على الموهبة الخالصة. يقول بلاك بي: “كان دائمًا هناك من يغنّي الراب في مجموعات أصدقائي، لكن أصوات الإسكندرية كانت مسجونة. كان هناك عدد قليل جدًا من الاستوديوهات، ولم يكن لدى الفنانين (وأنا من ضمنهم) ما يكفي لتأمين قوت عيشهم، ناهيك عن تسجيل أعمالهم وتصويرها وتسويقها”.
شكّل ذلك نقطة تحوّل عام 2021. بمبادرة من بلاك بي وشريكه المؤسس خالد شاكر، وُلد راب شارع من رحم معاناة هذه المواهب المدفونة التي لم تتمكن من تحقيق إمكاناتها الكاملة، وأُحبِطت من قطاع فني لم يدعمها إلا بعد وصولها إلى ذروة الشهرة. ما يميز راب شارع هو اتباعه لنموذج المنصات اللامركزية، وغيرها من منصات موسيقية مثل شركة التسجيلات الفلسطينية بلتنم، والتي تعيد تشكيل كيفية اكتشاف المواهب ودعمها في صناعة الموسيقا. فبدلًا من الاعتماد على شبكات مغلقة تقبع خلف الأبواب المغلقة والأبراج العالية، تبحث هذه المبادرات عن الموهبة في مكان معيشتها وازدهارها: الشارع. وعلى عكس منصّات البث التقليدية، لا توجد هنا سلطة واحدة تتحكم فيما يغنّيه الفنانون أو كيف ومتى يحصلون على أجر لأعمالهم.












بهذا المعنى، يقلّص راب شارع الحواجز الطبقية التي تعيق نمو الموسيقيين، وتدعوهم إلى استخدامه كمنفذ إلى مجال طالما أعيق وصولهم إليه. يعتبر بلاك بي هذه المنصّة أكبر من أي فرد أو مساهمة، بما في ذلك نفسه. ورغم أنه موسيقي، لم يصدر بلاك بي إلا أغنية واحدة فقط للعلن، ألا وهي أغنية ملاعين، والتي نشرها في بداية رحلته مع راب شارع بالتعاون مع شريكه المؤسس خالد شاكر. وضع بلاك بي مسيرته كمغنّي راب على الهامش لسبب بسيط: “كما نقول في مصر، صاحب بالين كدّاب. لا يمكنك الالتزام بشيئين في آنٍ واحد. إما أن أكرّس مهاراتي لمسيرتي، أو أكرّسها لدعم مواهب الشارع. اخترت الخيار الثاني”.
تظهر هذه التضحية أيضًا في قرار إخفاء هويته، فارتداؤه للقناع ليس بهدف التخفي، بل هو اختيار مقصود لتهميش ذاته داخل المشروع وإبعادها عن الواجهة. من خلال إزاحة وجهه من الواجهة، يقاوم بلاك بي إغراء الاعتراف الفردي والكبرياء اللذين يهيمنان على المنصّات الثقافية والمشاهد الإبداعية. وفي هذا السياق، يصبح الاختفاء شكلًا من أشكال “موت الأنا”. يرفض المشروع أن يُختزل في شخصية واحدة أو اسم بعينه. ويؤكد بلاك بي مرارًا أن المنصّة ما كانت لتصل إلى هذه المرحلة لولا الدعم الجماعي الذي تلقّته.

بُني راب شارع كمساحة جماعية لا تزدهر إلا بمشاركة الفنانين وإبداعهم ومهاراتهم. وهو ما يرسّخ التزامه الحصري بالمواهب الصاعدة. عندما يخفي بلاك بي هويته؛ فهو يؤكد أن الضوء يجب أن يُسلَّط على المؤدّين أنفسهم. فالمهم هنا ليس الصورة أو الاستعراض الجمالي للمواهب (وهي كلها مؤشرات للثراء والجاذبية) بل جودة العمل وصدق الشغف. وبهذا، يعيد بلاك بي توجيه الانتباه إلى جوهر فن الهيب هوب، كاشفًا عن السحر الذي ينشأ حين يجتمع المبدعون، ويقدّم كل فرد فيها مهارته لبناء هذا العالم المصغّر الذي لا تطغى عليه هيمنة شخص أو شركة واحدة.
يقول بلاك بي: “لم أرد أن يركّز الناس على صورتي. أريد أن يكون تركيزهم بالكامل على موهبة الفنانين المشاركين”. ويضيف: “هذه المجهولية تحرّرني وتحرّر غيري من الفنانين من قيود التوقعات؛ فالجمهور يتوقع من الفنان أن يعرف كيف يلبس ويتحدث ويسوّق لنفسه، وينسون الأهم: أغانيه. لذلك أحترم فنانين مثل TUL8TE وSnor لأنهم يطلبون من الناس أن يتركوا حياتهم وشأنها ويركزوا فقط على أصواتهم”.
منذ ذلك الحين، كرّس بلاك بي طاقته وموارده ومنصّته للفنانين الذين يكافحون من أجل البقاء، أولئك الذين يعملون بلا كلل فقط ليحصلوا على أجر يُنفق غالبًا على جلسة تسجيل. وبدأ من المكان الذي يعرفه جيدًا: الإسكندرية. هناك انطلق راب شارع كمجلس بسيط، يجتمع فيها الموسيقيون، ويرتجلون أو يؤدّون مقاطعًا من أغانيهم المسجلة مسبقًا، بينما يقوم بلاك بي بتصويرهم لنشر الأداء الجماعي لاحقًا كحلقة واحدة على وسائل التواصل الاجتماعي.
توسّعت هذه الدوائر بسرعة من عشرين إلى خمسين فنانًا. ومع الزخم والشغف الذي حصدته، بالذات بعد ووصولها إلى مئات الآلاف من المتابعين، انتقلت من الإسكندرية إلى الجيزة ثم القاهرة، قبل تصوير منافسة بين المدينتين. كانت كل حلقة تُسمّى باسم المدينة التي صُوّرت فيها، تكريمًا لجذورها. وبعد ثلاث سنوات، في 2024، حان الوقت للخروج خارج مصر وتحقيق لحظة طالما حلم بها بلاك بي. وكانت الوجهة الأولى هي الرياض.

كان بلاك بي يجري محادثات آنذاك عن هذه الخطوة مع محمد الإدريسي ، وهو من يتولّى جانب الإدارة في راب شارع إلى جانب سهيلة حنّو. قدّمه الإدريسي إلى محمود معاوية (المعروف بمجند)، المنتج السوداني الذي أصبح دليله لاكتشاف مشهد الراب في الرياض. يقول بلاك بي: “كانت خطوة محفوفة بالمخاطر. كنت أعلم أنني قد أخسر كل ما نملك من أجل تحقيقها، لكنني قررت المحاولة. وقبل وصولي إلى السعودية مباشرة، برفقة مهندس الصوت عمر مادو، اكتشفت أن كل الأموال التي استثمرتها في المشروع قد سُرقت”.
ورغم ذلك، واصلوا التحدي وسجّلوا الحلقة كما خُطط لها. يقول بلاك بي: “كان خطوة تستحق كل ما خسرناه، إذ استعدنا ما خسرناه أضعافًا”. حققت الحلقة 16 مليون مشاهدة على يوتيوب، لتصبح الأكثر انتشارًا. كما فتحت للفنانين المشاركين، مثل DJ Mubarak، أبواب شراكات موسيقية وتجارية دعمت مسيرتهم، بما في ذلك تعاونه مع الخطوط الجوية السعودية.
ما كان مخاطرة قد تكلّفه المشروع بأكمله، أثبت في الواقع تعطّش الجمهور للمواهب المخفية التي تتجاهلها المنصّات التقليدية. يقول بلاك بي: “ما يهمني هو جودة العمل، لا عدد المتابعين أو الشكل”. وكان ذلك أيضًا نقطة تحوّل جعلت من راب شارع برنامجًا جوّالًا في المنطقة، يحتفي بالأصوات ويمنحها دعمًا ماديًا لدخول المجال.
يقضي بلاك بي بصفته صيّاد مواهب ساعات في الاستماع إلى الأغاني التي يجدها على الإنترنت أو في الشارع. وبالتعاون مع فريقه الذي يضم ستة أعضاء، يختار الأغاني التي ستظهر في كل حلقة، مع الحفاظ على جوهر المشروع: في كل مدينة، يلتقون بالمجتمعات المحلية لفهم احتياجاتها لتوسيع شبكة الفنانين.
يقول بلاك بي: “حين قررنا التوسع خارج الإسكندرية، أردنا الحفاظ على الطابع العضوي للبرنامج. قبل الذهاب إلى دبي والكويت، كان لدينا تصور أولي عن المشاركين، لكننا وسّعنا الشبكة بزيارة الاستوديوهات والتجمعات الثقافية، والتعرّف على الفنانين في أماكنهم”.
تشكل هذه الشبكة من الرعاية والتعاون بنة بناء أساسية لعمل راب شارع. فالتعرّف إلى المواهب ليس عملية معزولة، بل يتطلب تفاعلًا حقيقيًا مع أي مشهد إبداعي وبناء علاقات مع من يبقونها حيًا. المغنيين ليسوا الفئة التي يبحث عنها راب شارع، إذ تحرص المنصة أيضًا على تسليط الضوء على مواهب أخرى مثل المصورين والمخرجين والكتّاب.
بدون هذا التعاون، كان المشروع سيعيد إنتاج الأنظمة التي يسعى لتفكيكها، تلك الأنظمة التي تضع الفنانين في منافسة لا فائز فيها. أما هنا، فتُعامَل المدن كمجتمعات تُحتفى بها ولا تُستغل، وتُبنى أنظمة لدعم وتمويل المواهب حتى بعدما تغادر كاميرات راب شارع.
ومع رؤية واضحة وفريق يعمل بلا كلل، يواصل راب شارع تطوّره كصدى للشوارع بكل تناقضاتها وألوانها. فهو ليس مشروعًا يفرض صورة جاهزة عنها، فهو لا يسعى إلا أن يكون مرآة لها. وهذا يتجلى في مشهد متكرر: بلاك بي في الدائرة، يمرر الميكروفون للمغنيين، وكأنه يقول “هذا الصوت كان دائمًا صوتكم”.
ومن خلال هذا الدور، لا يقتصر البرنامج على إبراز المواهب، بل يمتد إلى القضايا التي تدفعهم للاحتجاج والمقاومة؛ فالراب بالنسبة لبلاك بي أداة مقاومة بقدر ما هو فن: “الراب يحكي حكاية الأرض والناس، ويمكنك أن ترى ما يقاومونه في كلماتهم”.
يتجلى ذلك في حلقة عن السودان، حيث اجتمع فنانون من السودان ومصر ولبنان للدعوة إلى إنهاء العنف والاستغلال الذي يواجهه الشعب السوداني. يفتتح بلاك بي قائلاً:
“إحنا النهارده مش جايين نغني، إحنا جايين نشهد. السودان مش مجرد خبر على شاشة. السودان حياة وناس بينادوا بالسلام. فن من مصر إلى السودان إلى ليبيا إلى لبنان: صوت واحد ضد الصمت. راب شارع جايه تحكي لكم الحقيقة، ودي هي رسالتها. وحنتبرع بكامل أرباحها للسودان”.
وتعكس هذه المرونة قدرة راب شارع على توسيع رسالته، مسلطًا الضوء على الظروف التي يعيشها الفنانون. في الحلقة، تغني شهد محمود “مال الهوى”، مستحضرة حنينها لوطنها، قائلة:
يا بلدي الطيبة شايلانا
علك بخير.
يا بلدي بنيلك راويانا
فيك هام الطير.
يا بلدي كلك حزنانة
بموت الناس اللي هد الحيل.
وبالمثل، في حلقة “أرض كنعان، أنا فلسطين”، يؤكد بلاك بي دعم فلسطين والتبرع بأرباح الحلقة لها، قائلًا:
كل الدعم لأهالينا في فلسطين. في وجود المجازر والعدوان على أخوتنا، إحنا لا نملك غير صوتنا. وحنتبرع بأرباح الحلقة لفلسطين.
ويعلّق بلاك بي: “المنصّات الكبرى مثل Spotify تتيح للفنانين تحميل أغانيهم عليها فقط، لكنها تفصلهم عن جمهورهم. أما راب شارع يربطهم بالناس الذين يهتمون بقصصهم”.
عاد الفريق من سان فرانسيسكو مؤخرًا بعد التعاون مع فنانيه، ومنهم مغنو الراب الفلسطينيون MC Abdul وSammy Shiblaq، في إطار دعم مواهب الشتات التي تواجه تحديات رقابية مختلفة.
وبعد توقفه خلال رمضان، سيعود البرنامج بحلقات جديدة بصيغ مختلفة، إذا ستركّز أحيانًا على فنان واحد أو ثنائي، لضمان استمرارية الإنتاج، بما فيها حلقة تشمل المغني السوداني Hleem Taj Alser والليبي KA7LA.
يتوقف بلاك بي قليلًا عندما سئل عن خططه المستقبلية للمنصة غير المذكورة أعلاه، ليس تشاؤمًا، بل التزامًا بأن ما يقودها ليس مسارًا محددًا، بل الشارع. راب شارع ينمو استجابةً للناس والأماكن الذي يلاقيها، ليس وفق خطة ثابتة. كما أنه يطمح للوصول بالمنصة إلى مناطق أخرى من الرباط وتونس والخرطوم ونيروبي وعمّان إلى لندن وريو وشنغهاي، وقريبًا، إلى فلسطين حرّة.

