Posted in Anniversary Issue بيلا حديد

دائمًا وأبدًا: بيلا حديد في حديث مع ياسمين ديب

تتعمّق بيلا وصديقة طفولتها المقرّبة، ياسمين ديبا، فى حديثٍ حول «أوريبلا»، ومسار بيلا الإبداعى، وإرثها.

Text Translated by Sami Abdelbaki

في الثالث والعشرين من أيار ٢٠٢٤، ذهبت بيلا حديد لتناول الآيس كريم في الريفييرا الفرنسية برفقة صديقة طفولتها، المصوّرة ياسمين ديبا، خلال فعاليات الدورة السابعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي. كان هذا المشهد من اللحظات النادرة التي تجاوزت عجلة الأخبار العاجلة لتستقر سريعًا في وعي الثقافة الشعبية؛ ذلك بفضل إطلالة بيلا المميزة: فستان الكوفية الأحمر والأبيض الذي صممه الثنائي الأسطوري مايكل سيرز وهوشيدار “هوشي” مورتيزاي، مؤسّسا علامة مايكل آند هوشي في نيويورك، منذ أكثر من 24 عامًا. وكانت هذه اللحظة أيضًا خير دليل على إدراك بيلا التام لقوتها الخاصة، التي توظفها ببراعة لجذب الانتباه ليس إليها، بل إلى رسالتها الثابتة والدائمة: الحب

بمناسبة عددنا الاحتفالي بالذكرى السنوية الأولى لانطلاقنا، وكونه أول غلاف عربي لبيلا منذ ما يقارب عقدًا من الزمن، جمعنا بيلا حديد مجددًا مع ياسمين ديبا وهوشيدار مورتيزاي في جلسة تصوير تعيد إحياء تلك اللحظة في كان، ورسالتها الجوهرية. تتألق بيلا في هذه الصور بفساتين من أرشيف مايكل وهوشي، تجمع بين الرومانسية والتمرد، وتصورها عدسة ياسمين التي أعارتها الفستان الذي كان بدوره الشرارة الأولى لكل شيء. خلال المقابلة، تتحدث بيلا عن أهمية جذورها وعن خطوتها التالية في توسيع علامتها التجارية التي تحمل اسمها، أوربيلا، لتصل إلى العالم العربي

ياسمين ديبا: لو أخبرنا نفسينا الصغيرتين في حصة اللياقة البدنية أننا سنقوم بهذا العمل معًا يومًا ما، لما صدقتا ذلك أبدًا

بيلا حديد: نعم، أحاول أن أتخيل ما كنا سنقوله حينها. لا أظن أننا كنا سنعتبر هذا احتمالًا ممكنًا على الإطلاق. لم تكن هذه المهن التي كنا نتخيلها، ولا كنا لنظن أننا سنصبح مشهورتين بما يكفي ليطلب أحد منا أن نجري مقابلات معًا. ولكن بعد 17 عامًا من الصداقة، أنتِ الشخص الوحيد الذي أحب أن يجري معي هذه المقابلة، وأنا ممتنة جدًا لذلك، وأحبك كثيرًا

ياسمين: يا لها من رحلة! نحن الفتاتان الصغيرتان بعمر الثانية عشر لم نكن لنفكر في شيء كهذا أصلًا. كنا مجرد فتاتين صغيرتين تحبان ركوب الخيل. وبعمر الخامسة عشر، كنا لنقول: يا له من حلم

بيلا: أتذكر عندما دخلت حصة اللياقة البدنية، كنت الفتاة الجديدة القادمة من سانتا باربرا، وعندما رأيتك، الفتاة العربية الوحيدة في الصف، جالسة على مقعدها الصغير، قلت لنفسي: “هذه صديقتي للأبد.” ومنذ ذلك الحين، لم نفترق قط

ياسمين: ومن المدهش أيضًا أننا نقوم بهذه المقابلة اليوم في ماليبو، تمامًا مقابل مدرستنا الإعدادية والثانوية، دون أي تخطيط مسبق

بيلا: أتمنى لو نستطيع أن نُري الناس الصورة التي أريتني إياها للتو؛ لنا قبل سبعة عشر عامًا في هذا المكان نفسه. الحياة تدور حول نفسها حقًا، ومن الساحر جدًا أن نكون هنا في ماليبو. لم نخطط لذلك أبدًا

ياسمين: لا، لم نخطط لذلك. استيقظنا هذا الصباح وأكلنا بوريتو، ثم جئنا إلى الشاطئ. تمامًا كما نفعل عادةً

بيلا: أعلم، أنا محظوظة جدًا بكِ

ياسمين: كما قلتِ سابقًا، كنتِ صديقتي العربية الوحيدة وأنا طفلة، وحتى بعدما كبرت. لذلك، من المميز جدًا أن يكون أول مشروع كبير يجمعنا سويًا مرتبطًا بمنطقة الشرق الأوسط، وقبل إطلاق علامتك التجارية أوربيلا هناك، وهو ما يجعل هذه لحظة مكتملة حقًا. هل حظيتِ بفرصةٍ لاستيعاب كل هذا؟

بيلا: لقد صوّرنا معًا مئات المرات. كنتِ الشخص الوحيد الذي صورني في الثانوية، وهذا مضحك حقًا. “ديزد مينا” هي أول مجلة نصور غلافها معًا، وأتى ذلك بالتزامن مع أكبر إطلاق لعلامتي التجارية، مما يجعل هذه اللحظة مميزة للغاية. أكثر ما يثير حماسي هو أن بإمكاني بناء علامة تجارية تعكس حقيقتي وجذوري وثقافتي وكل ما أمثله. متحمسة للعودة إلى المنطقة، ولأري أصدقائي العرب مدى تأثيرهم عليّ وكيف ساهموا في تشكيل أوربيلا ككل

ياسمين: عادةً ما أفكر بالصلة الوثيقة التي تجمع بين أوربيلا وجذورك، وأستعيد تحديدًا القصة التي رويتها لي عن ذهابك إلى جنازة عمتك غادة في واشنطن، ورؤيتك لتلك القوارير 

بيلا: نعم، كانت لحظة فارقة، وجاءت تمامًا في خضم العمل على كل عناصر أوربيلا؛ القوارير والروائح وكل التفاصيل الأساسية. سافرتُ إلى واشنطن لحضور جنازة عمتي غادة التي كان لها أثر كبير في حياتي. لكن ما كان في منزلها تلك الليلة بدا وكأنه تمهيدٌ لما ستكون عليه أوربيلا، وصدى لكل ما كان يدور في ذهني. ظننتُ أنها مجرد أحلام صغيرة، لكنني أدركت لاحقًا أنها كانت ذكريات. حين دخلتُ إلى حمّامها، وجدت قوارير عطور قديمة جمعَتْها عبر السنين، وكانت بمثابة النقطة المرجعية لما تمنّيت أن تكون عليه أوربيلا. كان رائعًا حقًا أن أعود إلى جذور ما أريده: أن أكون صادقة مع نفسي في خلق علامة أمثّلها

ياسمين: وهناك أيضًا الحدس الذي تقودين به حياتك عمومًا؛ شعورك بالأشياء بعمق. كان ذلك جزءًا منك ومن جيناتك أيضًا. ألم يكن عمّك عطّارًا؟

بيلا: أجل، عمي محمود. وجدت إحدى قواريره وكانت مزيجًا من الزيوت العطرية الأساسية صنَعَه في السبعينات. منذ تلك اللحظة، عرفتُ بأني على الطريق الصحيح، وأن الأمر لم يبدأ من حلم وحسب، بل كان منسوجًا في دمي وقلبي وجيناتي. شعرتُ وكأنها هدية قدّمها لي أسلافي بيد الكون

ياسمين: دائمًا ما أقول للجميع أن أول صفة أذكرها عنك، إلى جانب لطفك، هي شجاعتك. لقد كنتِ دائمًا شجاعة وفخورة بجذورك، وقد ألهمني الأمر منذ طفولتنا، وجعلني أشعر بارتياح أكبر تجاه نفسي

كبرنا في وقت لم تكن فيه الهوية العربية “أمرًا رائجًا” أو سهلًا، ومع مرور السنوات، ورؤيتي لكِ تحتفين بهويتك بكل هذا الاعتزاز، صرت أشعر بالفخر بها أنا أيضًا. وعلى نطاق أوسع، رأيت كمّ الفتيات العربيات والمسلمات اللواتي ينظرنَ إليك بإعجاب حول العالم. ما شعورك وأنت تعلمين أنك منحتِ أشخاصًا من مختلف الأعمار شجاعةً ليكونوا على حقيقتهم؟

بيلا: بالنسبة لي، هي هبة من الله ومسؤولية عظيمة لا أستخف بها. أعاني من ما يسمى بمتلازمة المحتال، لذلك من المخيف أن أفكر بقوة التأثير التي أمتلكها، رغم أني تعلمت تقبلها مع مرور السنوات. يشرفني أن تتطلع الفتيات الصغيرات إلي، وكل ما يمكنني فعله هو أن أعيش بصراحة وصدق، وآمل أن يكون هناك من يرافقني في رحلتي لاكتشاف ذاتي. ومن الرائع حقًا أن كثيرًا من الفتيات يشاركنني هذه الرحلة

في النهاية، أتمنى أن يتعلمن من رحلتي أن يفتخرن دومًا بأصولهن وأن يكنّ على طبيعتهنّ مهما كان. هدفي أن يرى الجيل القادم أن بإمكانهم الدفاع عن أنفسهم وعن معتقداتهم بثقة

ياسمين: تعقيبًا على كلامك، أتساءل كيف كانت ستكون طفولتنا لو كان لدينا شخص مثلك نتطلع إليه. لكن كما قلتِ، مع تقدم العمر ندرك أنه لا جدوى من أن نكون أي شيء سوى أنفسنا. في النهاية، الأشخاص الذين يشاركونك طريقة التفكير سيحبونك لأجل حقيقتك، لا لنسخة مزيفة منك

بيلا: بغض النظر عن مشاعرنا، هناك تاريخ قد كُتب بالفعل، ومن المهم أن نعيه ونتأصل فيه. ومن المهم أيضًا أن نمشي مرفوعي الرأس، فخورين بصمود أسلافنا، فهذا ما سمح لنا اليوم بالتعبير بحرية عن القضايا التي تهمنا. لقد صُوِّر بعض الأشخاص بطريقة عدائية، لكنني أرى هذا خطأ من نواحٍ عديدة. نشأتُ بين عرب وفلسطينيين مليئين بالحب والود والعطاء والانفتاح. وعندما أدخل بيتًا عربيًا، لا أرى أية أيديولوجية سلبية بأم عيني، على عكس الصورة النمطية الشائعة. هذه ليست ثقافتنا، وليست تربيتنا. وعندما أسمع آراء سلبية تجاه مجموعة من الناس، أرغب بالصراخ بأعلى صوت بأن هذه السردية خاطئة تمامًا

ياسمين: حين يتعلق الأمر بفلسطين، لطالما كنتِ جسرًا وهدفًا في آن واحد. كيف تنظرين إلى هذا الاختلال بين كونك مشهورة، وبين محاولات إسكاتك؟

بيلا: إنه لأمر غريب التعامل معه. ومن المؤلم جدًا أن تعلمي أن حبك لشعبك وتاريخك ووطنك قد يُنظر إليه على أنه موضع جدل.

ومع ذلك، دائمًا ما أحاول أن أتكلم بنية الحب. هذا ما يجعلني متأصلة في كلماتي ووجودي. في هذه المرحلة من حياتي، لم أعد أسعى لإرضاء أحد، بل أتحدث بصدق ينبع من معرفتي بتاريخنا وتاريخ الشعب الفلسطيني.

في نهاية المطاف، أذكّر نفسي أنه إذا استطعت أن أجعل ولو طفلًا أو طفلة فلسطينيين يشعرون بأن هناك من يشبههم، ويفخرون بأصلهم، فكل ذلك يستحق العناء. كل الضجيج يختفي، لكن الصلة والفخر بما في عروقنا يدومان إلى الأبد.

ياسمين: يعيدني هذا إلى كلمة “الشجاعة”. سواء كنتِ تواجهين شخصًا يشاركك الرأي أو يخالفه، من المؤكد أن كلامك ينبع دائمًا من قلبك.

بيلا: عندما أقول إنني أتعامل مع كل ذلك بدافع وهدف الحب، أود أن أضيف أن هذا الحب يشمل حبي لشعبي، وحبي لمستقبل لا يشعر فيه أي طفل بالخجل حين يُسأل عن أصله. لا أريد لأي طفل أن يكبر معتقدًا أنه لا يمكن أن يكون فلسطينيًا وفخورًا في الوقت نفسه؛ فخورًا بكل ما في هويتنا من جمال.

سواء في فلسطين أو في أي مكان آخر في العالم، لم يكن لأي منا فرصة اختيار مكان ولادته. قد يتغير مسار حياتك كليًا لو وُلدت حتى على بعد خمسة عشرة دقيقة عن مكان ولادتك. هذه الحقيقة وحدها يجب أن تولّد شعورًا عميقًا بالتعاطف، لأننا لم نكن قادرين على اختيار وجهتنا النهائية. علينا أن نعتني ببعضنا البعض كما لو كنا جميعنا من مكان واحد، بدل أن نفصل أنفسنا عن بعضنا الآخر.

الواقع أن كثيرًا من الكراهية والانقسام يأتي من أنظمة حكومية تسعى لجعلنا جميعًا أدوات سياسية، بينما ما يجب علينا فعله هو أن نتكاتف لجعل العالم مكانًا أفضل ويحتضن الجميع، وأن نتذكر أن قوتنا تتضاعف حين نواجه الجشع والسلطة بالحب

أود أن أضيف أني لا أرغب أبدًا في أن يشعر أحد بالأسف تجاهي بسبب بعض ردود الفعل التي أتلقاها حين أعبر عن آرائي ومبادئي على وسائل التواصل الاجتماعي. وليعلم الجميع أن ما أواجهه من سخط على الإنترنت لا يساوي نقطة في بحر المعاناة والألم الذي يتحمله الشعب الفلسطيني. وسأفعل ذلك مئة مرة أخرى لأرى طفلًا واحدًا يعرف أن هناك من يهتم به ويفكر به في الضفة الأخرى من العالم

أصر على الاستمرار في التعبير على الإنترنت وما يتبع ذلك من تعليقات، حتى لو كانت مؤلمةً في لحظتها، مع العلم أن ذلك لا يضاهي ذرة من الألم الذي يعانيه شعبنا. لا بد للعدالة أن تنتصر. وحتى حين أجد نفسي محاطة ببروباغاندا وكراهية على الإنترنت، أعلم أنني أستطيع العودة إلى حقيقة أني أعرف تاريخي وأتعامل مع جميع الثقافات والأديان باحترام. هذا ما يبقيني على ثبات

ياسمين: منذ أن أصبحتِ أكثر شهرةً، تحدثتِ كثيرًا عن هذا الموضوع. أشعر أنك لعبتِ دورًا مهمًا في زيادة الوعي بما يحدث في المنطقة من خلال منصتك

بيلا: أستطيع أن أوافقك الرأي وأخالفك إياه في الوقت نفسه، لأني أعلم، ورأيت كم من الناس كافحوا من أجل هذه القضية عبر أجيال عدة. أنا فقط من المحظوظين الذين أتيحت لهم منصة ولم يخشوا استخدامها، على ما أظن

أتذكر أنني كتبت عبارة “فري باليستاين” على يدي بالطلاء عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، وتعرضت لكل أنواع الإهانات الممكنة. حتى في تلك المرحلة، قبل اثني عشر عامًا، ومن دون أي كلمات سياسية، كنتُ هدفًا. كانت فكرة معارضة أي شيء تصدمني، لأننا لم ننشأ على عقلية الكراهية بين الناس، فكان من الصعب جدًا عليّ تقبّل أن يكون حبي لتاريخي وشعبي مصدر تهديد لأي شخص

منذ بضعة سنوات، خرجت من فعالية ما ودخلت سيارتي، ثم أدركتُ أني كنت خلف مسيرة كبيرة. أذكر أن مدير أعمالي حينها قال لي: “أنتِ لا تعرفين ما الذي تورطين نفسكِ به”. طردته في اليوم التالي. أذكر أنني ترجلت من السيارة وانضممت إلى المسيرة بمفردي. كان الأمر وكأنه جلسة عائلية؛ شعرت وكأنني التقيت بكل إخوتي وأخواتي في آن واحد. أثر الناس من حولي ضروري وكبير. وفي الحقيقة، لا أستطيع أن أنسب لنفسي أي فضل في ذلك

تعقيبًا على ذلك، أؤمن تمامًا أن توقف الشركات عن العمل معي بسبب مواقفي كان أفضل ما يمكن أن يحدث لي، لأنني سأظل فلسطينية في دمي دائمًا. من الضروري أن تعيش بصدق مع نفسك وتتخلى عن ما لم يُكتب لك

ياسمين: منذ صغرنا، لطالما مشيتِ على إيقاعك الخاص. يرى العالم عملك غالبًا من منظور عارضة أزياء، لكن جزءًا كبيرًا منه يتعلق أيضًا بعملك في التصميم والفن والإدارة الإبداعية، وكل الأفكار التي تقدمينها سواء لأغراض تجارية أو لمشاريعك الشخصية. كيف تبدو تلك العملية بالنسبة لك؟ هل يمكنك أن تشرحي لنا عن عمليتك الإبداعية، بدءًا من تشكل الفكرة وحتى وصولها إلى شكلها النهائي؟

بيلا: لطالما كانت طريقتي في العمل مبنية على الحدس. لذلك، على مر السنين، كان الناس يسخرون أحيانًا من ملابسي، لكن ذلك يتغير باستمرار. أستيقظ وأرتدي ما يعكس شعوري في ذلك اليوم بالذات. سواء كان الأمر يتعلق بإعداد تقرير أو إنتاج حملات أوربيلا الإعلانية، لا أقول أني أحب السيطرة، لكني أحرص على أن أنخرط بكل ما نقوم به. أريد أن أضمن أن ما نقدمه سيُسعد الناس، فهم ينفقون أموالهم التي كدّوا لكسبها ليشتروا ما أصنعه، فلا أريد أبدًا أن أبيع الناس شيئًا لن يحبوه. وحتى عندما يتعلق الأمر بالحملات الإعلانية، كل تفصيل مهم بالنسبة لي

في أوربيلا، نحن عائلة كبيرة، ونحظى بنقاشات مطوّلة حول ما نريده وما يريده الزبائن. لكننا ما زلنا شركة ناشئة صغيرة، يُبذل الكثير من العمل في بناء شركة، وذلك ما لا يراه العالم. الجانب الإبداعي هو الأمتع، بينما الجانب التجاري هو الأصعب. الأمر مثير للاهتمام، وبسبب وسائل التواصل الاجتماعي، يجب أن تكوني حاضرة دائمًا وتنشري باستمرار، في وقت يشهد العالم الكثير من الأحداث 

خلال السنتين والنصف الماضيتين، كان من الصعب عليّ أن أنشر عن حياتي اليومية أو حتى عن أوربيلا، رغم أهميتها في حياتي. يؤلمني أن أضطر للاختيار بين الترويج لشيء مادي بحت وبين الحديث عن الأمور التي أكنّ لها مشاعر قوية جدًا. هذا يخلق صراعات داخلية كثيرة بين الثقة بحدسك وبين اتخاذ قرارات قد تترتب عليها عواقب عديدة. عندما يتعلق الأمر بأوربيلا، أريد أن أكون صادقة جدًا، حتى لو كان ذلك يعني ألا أنشر كثيرًا

ياسمين: بالعودة إلى فكرة الحدس، أشعر أن مصداقيتك هي ما يجذب الناس إليك. وقد يتعلق ذلك أيضًا بوتيرة منشوراتك؛ فالأمر لا يتعلق بالكمية بل بالجودة والمصداقية. لست خبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، لكني أشعر أن الناس يستشفّون ذلك منك

بيلا: في نهاية المطاف، هذه أنا. هناك الكثير ليقال عن العيش بمصداقية في عالم الشخصيات الافتراضية على الإنترنت. لا أريد أبدًا أن أكون شيئًا لست عليه. من الصعب عليّ مشاركة منشورات سعيدة عندما لا أشعر بالسعادة. أنا ممتنة جدًا لحياتي وكل شيء فيها، لكنني أعاني أيضًا من صدمات متوارثة عبر الأجيال، أو من أشياء تثقل كاهلي حين أستيقظ صباحًا، مثل الأمراض المزمنة ومشاكلي النفسية

حين تعبّرين عن هذه الأمور بشفافية على الإنترنت، يتغير تصوّر الناس عنك، لكنني ممتنة جدًا لأوربيلا لأنها تعيدني دائمًا إلى حسي الإبداعي. كل ما أقوم به، من وسائل التواصل الاجتماعي إلى نتاجي الإبداعي والفكري وما أقدمه في التقارير، ينبع من الإحساس. قد يكون مصدر الإلهام شيئًا صغيرًا، مثل لون، شعور، صوت، أو ذكرى تفتح في ذهني عالمًا كاملًا

كان من الصعب عليّ الذهاب إلى جلسات التصوير والوقوف هناك كالمانيكان، لكن الآن يبدو أن الناس يدركون قدراتي الإبداعية. أنا ممتنة جدًا أن الناس يثقون برؤيتي الإبداعية في هذه المرحلة من مهنتي 

ياسمين: حبك لكل هذا بدأ أصلًا وراء العدسة. أنتِ ملمّة وشغوفة بالفن والأفلام وكل التفاصيل التي تصب في العمل الذي تقومين به، علاوةً على كونك عارضة أزياء أيضًا

بيلا: كلتانا درستا الإخراج السينمائي، وهذا جعلني أركز تركيزًا شديدًا على كل التفاصيل، وجعلني أفضل في مجالي كعارضة أزياء، لأني أصبحت أقدّر كل الجوانب من جلسة التصوير. حتى حين اضطررت أن أختار بين إكمال دراستي أو البدء بالعمل في سن السابعة عشرة، كنت أحب الأفلام والحرفة والأضواء والكاميرات وكل شيء، لكني لم أحبَّ كوني عارضة أزياء. كان عليّ أن أختار، وكان عليّ أن أجد المتعة في هذه المهنة إذا أردت الاستمرار فيها. وكان عليّ أيضًا إيجاد الجمال فيها في مكان آخر. ومن حظي أن أتيحت لي فرصة العمل مع أفضل المصورين في العالم، وتعلمت منهم الكثير عن كواليس التصوير

ياسمين: دائمًا أقول أن في بعض الحالات أشعر أنني أصوّر عارضة أزياء تقليدية، وأحيانًا أشعر أن هناك ممثلة أمامي. هم يدخلون في جو الشخصية كما تفعلين أنتِ، ولا يتعلق الأمر بالمظهر فقط. ستفعلين كل ما يلزم لتكوني أنت الشخصية، وهذا يضفي طاقة ونورًا على ما تقومين به

بيلا: بالنسبة لي، كل شيء يتعلق برواية القصص، حتى عرض الأزياء. أحب أن ألعب شخصيات مختلفة، وهذا هو جمال الفن، ولهذا السبب أرغب جدًا في دخول عالم السينما؛ إما أن أخرج أفلامي الخاصة أو أن تخرجي فيلمًا وأمثل فيه. أحيانًا أستيقظ في منتصف الليل وتراودني فكرة فيلم، فأكتب ثماني صفحات من حبكة الفيلم. هكذا يعمل عقلي. سيكون رائعًا أن أتصور شخصياتي الخاصة يومًا ما، أو أن أكون شخصية ضمن رؤية شخص آخر

يصعب عليّ أن أبقى ثابتة. أحب عندما تصورين بشريط سوبر 8 وعندما تأخذين صورًا عفوية لي وأنا أتحدث. أفضّل هذا النوع من الصور على الصور ذات الوضعيات المتكلّفة؛ لا أرى عفوية في أن أقف ثابتة وأبدو جميلة فقط. لهذا السبب أيضًا أحب أن ترافقينني في جلسات التصوير؛ إذ أشعر أن باستطاعتي أن أكون على طبيعتي

ياسمين: أمضينا عمرًا نستمتع بوقتنا ونبتكر شخصيات. كانت فترة رائعة تلك التي نشأنا فيها، قبل وسائل التواصل الاجتماعي، حين كان بوسعنا أن نكون أطفالًا فعلًا وأن نلعب بلا توقف. أظن أن ذلك شكّل الطريقة التي نفعل بها كل شيء اليوم.

بيلا: جزء كبير من ذكريات طفولتي مرتبط بكِ. يا إلهي… سأبكي. أنتِ ساهمتِ في بناء الشخص الذي أصبحتُه اليوم. تقمّص شخصيات مختلفة كان وسيلة هروبٍ من عقلي آنذاك، لكنكِ دائمًا جعلتِني أشعر بذاتي

أما الآن، وبعد أن أصبحنا في المجال نفسه وكثيرًا ما تسنح لنا فرصة العمل معًا، فأنتِ تعيدينني دائمًا إلى جوهر ما أنا عليه. أنتِ الشخص الوحيد في هذا المجال الذي لا أحتاج إلى تقمص شخصية أخرى معه. أنا ممتنة لهذا أكثر مما يسعفني الكلام. وأريد أن أقول شيئًا لقرّائنا: إن كان لديكم صديق مقرّب يحبكم بصدق، تمسّكوا به إلى الأبد

ياسمين: أبادلك الشعور. من النادر أن يكون في حياتك أشخاص يعرفونك حق المعرفة. أنتِ تعيدينني إلى نقطة الاتزان حين أتوه أو أبتعد عن مركزي

بيلا: يعمل الكون بطرق عجيبة. حتى دخول هوشي في عالمي كان امتدادًا لهذا. كنتِ أنتِ من وضعتِ فستان الكوفية في حقيبتك وجلبته إلى كان. كان يهمّني أن أحضر المهرجان وأنا أرتدي فستانًا يعبر فعلًا عن هويتي. يصعب عليّ أن أفهم كيف يمكن لشيء كهذا أن يشكّل تهديدًا لأي شخص

لطالما عرفت هوشي وكنت معجبة به، لكن الطريقة التي وصل بها ذلك الفستان إلى عالمك، ثم إلى عالمي، والآن ها نحن نصوّر غلاف Dazed MENA وهوشي حاضر بيننا، فيما تحيط بنا فساتين مايكل وهوشي… إنها لحظة مكتملة من جميع الجهات، دائرة تعود إلى نقطة بدايتها

شكرًا لكِ يا ياز، لأنك جمعتنا كلنا. أنتِ فعلًا المحرّك الذي يبقي المجموعة نابضةً بالحياة. سأكتفي بقول ذلك

مايكل وهوشي ابتكرا مزيجًا فريدًا يجمع بين هويتيهما، ونجحا في طمس الحدود بين الموضة والفن والنشاط. وذلك تمامًا ما سعيت دائمًا إلى فعله. كان لقائي بهوشي ملهمًا جدًا؛ رأيت حساسيته وكرمه وحبّه العميق للموضة والفن والعلم. على مرّ السنين، وقف مايكل وهوشي مع الناس بنزاهة وقلب صادق واستطاعا عبر الملابس رويَ قصصٍ وحقيقةَ وأشعار، وهذا أمر جميل جدًا، وصعب جدًا أيضًا. أحييهما لأنهما كانا من أوائل من فتحوا هذا الباب في مجالنا. وفي الوقت نفسه، أعرف أن كثيرين ساروا خلفهما على هذا الدرب، ومن المطَمئن رؤية امتداد إرثهما وتأثيرهما. آمل حقًا أن يدركا مدى أهميتهما في مجال الموضة، وفي مجتمعنا، وفي المنطقة العربية كلها. هوشي، إن كنت تقرأ هذا… أنا أحبك

ياسمين: بالنظر إلى المستقبل، هل تخططين للقيام بالمزيد من المشاريع في المنطقة؟

بيلا: بالطبع. أشعر أن المنطقة بأكملها وطني، ليس جغرافيًا فقط بل روحانيًا أيضًا. في اللحظة التي أهبط فيها في أي بلد عربي، أشعر بصلة عميقة وحاجة ملحة للإبداع والتعاون ورد الجميل لكل من ألتقي به

هناك طاقات ومواهب كبيرة، لكن العالم غالبًا لا يراها وسط كل ما يحدث، وأريد أن أساهم في تغيير ذلك. أرغب في تسليط الضوء على الجمال الموجود ودعم الحرف والصناعات المحلية بطرق صادقة وشفافة

إذا تمكنت من إحضار المزيد من المشاريع إلى هناك، آمل أن تنشأ تعاونات مع أشخاص كثيرين سيعلمونني الكثير، ليس فقط عن العمل والأخلاقيات والفن والموضة والسينما، بل عن نفسي أيضًا

ياسمين: ما الإرث الذي تطمحين لتركه وراءك؟

بيلا: آمل أن أخلق شيئًا يربط الفنانين الشباب في المنطقة بفرص عالمية، وفي الوقت نفسه يُكرم جذورهم. أريد لعملي أن يُظهر للعالم أنهم لا يحتاجون للتخلي عن ثقافتهم ليحققوا النجاح. أريد لإخوتي وأخواتي أن يعرفوا أن بإمكانهم الافتخار بثقافتهم، وسأحرص على مساندتهم ليستطيعوا القيام بذلك في أي مجال يختارونه.

كل شيء مرتبط بشيء آخر، وبالنسبة لي، كل شيء يعود إلى دمي. أستطيع الآن أن أقول إنني فخورة بنفسي لأني احتضنت كل جوانب هويتي، ومع ذلك أشعر أن أمامي الكثير لأتعلمه وأحتضنه. وأظن أنه إذا استطعت بناء شيء يستمر بعدي، فهذا هو الإرث الذي أود تركه؛ إرث عماده الحب والمجتمع والأصالة والله

ياسمين: تحدثتِ سابقًا بصراحة عن معاناتك مع مرض اللايم والتحديات النفسية المختلفة. ماذا تعلمت عن قوتك خلال هذه التجربة؟

بيلا: بعد آخر جرعة من العلاج، أجد أن أصعب جزء بالنسبة لي حاليًا هو إعادة بناء ذاتي. رحلتي امتدت لسنوات، قد تكون هناك أسابيع جيدة، أو أيام بالأحرى، ثم يصيبني التهاب حاد وانهيار، وبعدها عليّ أن أبدأ من جديد. إنها دوامة مستمرة؛ أتحمس للأشياء التي أود القيام بها، ثم أجد صعوبة في الاستمرار مع ضغط العمل، وأضطر أحيانًا لوضع صحتي جانبًا وإعطاء الأولوية لما أحب القيام به

إنها معركة بيني وبين جسدي، وهذا صعب جدًا، لأن أخلاقيات عملي تقتضي الاستمرار دون توقف. سواء في منتصف الليل أو مع بزوغ الفجر، حتى لو كنت طريحة الفراش لأيام، تظل أوربيلا ومهامي الأخرى تراود ذهني. هذه الدوامة ضارة جدًا لأنها تولّد الكثير من القلق؛ التعب يمنعك من القيام بأي شيء، ثم يتبعه شعور عميق بالاكتئاب لأن كل ما يبهجك في الحياة يكاد يختفي

أستمد دعمي ممّن حولي، وهذا أمر مهم بالنسبة لي، خصوصًا علاقتي مع الله؛ فهي تمنحني القوة والسند. تمعّنت كثيرًا في مختلف الأمور، واكتشفت أن الإيمان جزء أساسي من عملية الشفاء. أثناء العلاجات، كنت أنا وأمي نصلي معًا، وبشكل عام أتحدث كثيرًا مع الله وملائكته. العيش مع مرض “خفِي”، والذي يعتبره الكثيرون غير قابل للشفاء، يجبرك تقريبًا على تجريد نفسك لتكوني أكثر نسخة صافية وعارية من ذاتك

ياسمين: ما من كلماتٍ تسعفني لوصف قدرتك على الاستمرار والصمود، وأنا أراك عن قرب. لا أعلم كيف تفعلين ذلك، تحضرين دائمًا بابتسامة وتعملين بلا كلل، تتعاملين مع الكثير من الأشياء في اليوم الواحد، ومع ذلك ها أنتِ هنا، ما زلتِ تقومين بكل شيء

بيلا: كان علي تعلّم أن كثافة الإنتاج وما تقومين به لا تحدد قيمتك الذاتية. لفترة طويلة، خصوصًا في هذا المجال، كنت أبني الكثير من إحساسي بقيمتي على أساس الأعمال التي أنجزتها، وعدد عروض الأزياء التي مشيتُ فيها. لم أكن أعلم أن بإمكاني قول “لا”. كنت أقبل كل وظيفة عُرضت عليّ لأني كنت ممتنة لوجودي هناك. مع متلازمة المحتال، شعرت أنني لا أستحق أن أكون هناك أصلًا

لا أندم على قبول أية من هذه الوظائف، وبعضها حتى بأقل من ربع أجري المعتاد، فقط لأني أحببت المصمم والفكرة، أو أردت دعم شخص ما. فعلت كل ما بوسعي لإسعاد الآخرين، لكن ذلك أنهكني بعد سنوات طويلة. الآن أدرك أن كلمة “لا” تحمل قوة كبيرة

حين توقفت عن العمل لأخوض أول جولة من العلاج منذ حوالي سنتين، ظننت أني لن أعود للعمل أبدًا، لكن كان عليّ أن أضع صحتي أولًا. وعندما عدت، فوجئت بفيض من الحب والدعم. أنا ممتنة جدًا لزملائي في المجتمع، لأنهم يسمحون لي دائمًا بأخذ الراحة التي أحتاجها كي أعود أقوى من ذي قبل

هناك شركات مثل شوبارد دعمتني في كل مرة احتجت فيها الابتعاد قليلًا. المديرة الفنية كارولين شوفيلي لم تشك فيّ أبدًا، ولن أنسى ذلك ما حييت. عهدتني على حقيقتي ومبادئي لأنها تتبع قلبها تمامًا مثلي. إنها ملاك بكل المقاييس: مبدعة ومعطاءة وكريمة ومحبة، وأنا ممتنة أن باستطاعتي اعتبارها صديقة أيضًا

ياسمين: بالحديث عن كونك نفسك، لقد خصصتِ وقتًا رائعًا في السنوات الأخيرة لركوب الخيل والتواجد في الطبيعة. أنا فخورة أنك سمحتِ لنفسك بإعطاء الأولوية لشيء يشبهك. أشعر أن استثمار ذلك الوقت يساهم في النتاج الإبداعي ويساعدك على العمل بشكل أفضل

بيلا: أجمل ما في التعامل مع الأحصنة هو انعدام الأنانية؛ لا أحكام، ولا لَبس في التواصل. علاقةٌ مبنية على الانغماس باللحظة ومشاركتها مع كائن حي آخر. علمني ذلك الكثير عن الروابط والصبر والحب الحقيقي. لطالما كانت الأحصنة حبي الأول الحقيقي، وعلمتني الثقة بطرق شتى

منذ ما يقارب السنتين، توجهت للعلاج النفسي لبضعة أسابيع، وعندما وصلت أخبروني: “لدينا علاج بالأحصنة.” فأجبتهم: “أنا أقوم بالعلاج بالأحصنة كل يوم، أنا دائمًا مع أحصنتي.” لم أفهم في البداية ما يعنيه ذلك، لكن من المذهل كيف أن الأحصنة تعمل كمرايا لنا. في أي جانب من حياتك، هناك الكثير لتتعلّمه من الأحصنة إذا كنت حاضرًا وجاهزًا للتواصل حقًا. ومن المهم جدًا أن تهتم بأشياء أخرى غير نفسك

هذا الشيء زرعَته فيّ أمي. كانت تصطحبنا إلى الإسطبل باكرًا جدًا في الصباح لنطعم الأحصنة وننظف الحظائر، كما كانت تفعل هي في صغرها أثناء عملها في مزرعة المجتمع في بلدتها في هولندا. كانت تعمل لتتمكن من ركوب أي خيل أو مهر متاح. هكذا علمتني المسؤولية وأساسيات العناية بالخيل، ولهذا السبب اليوم، أحرص دائمًا على أن يكون كل شيء بخير والجميع سعداء

سيبقى هناك دائمًا جزء كبير مني يود العودة إلى بيت صغير تحيطه أراضٍ واسعة مليئة بالأبقار والأحصنة وكل الحيوانات التي تواجه النبذ أو الرفض. هذا ما يقوله الناس عني، أنني سأمتلك مزرعة لكل الحيوانات “المتمردة”، وأنا سعيدة بذلك تمامًا. هذا هو مكاني الطبيعي. أنا ممتنة جدًا لعالم الموضة لأنه احتواني كجزء منه، لكن موطني الحقيقي سيكون دائمًا على العشب، حافية القدمين، مع كلبي وشريكي

ياسمين: بالعودة للحديث عن عائلتك، جدتك خيرية ضاهر حديد كانت من الناصرة ونزحت في النكبة، وأنتِ تحملين اسمها. ما هي الذكريات التي تلازمك اليوم عنها، وكيف ساعد إرثها في تكوين ما أنتِ عليه اليوم؟

بيلا: تتربع “تيتا” في قلب كل ما أنا عليه اليوم، وكذلك “أوما”، جدتي الهولندية. ولكن بشكل خاص، تيتا هي السبب الذي أحمل اسمي الثاني “خير”. ومع أني كنت صغيرة عندما توفيت، كانت أمًا وجدّة وامرأة في قمة القوة والروعة والعطاء واللطف. كانت خير انعكاس للمرأة الفلسطينية بكل ما يحمل ذلك من معنى

لطالما شعرت بطيفها حاضرًا حولي. هي دائمًا على كتفي عندما أريد أن أخبرها شيئًا، وكذلك جدتي الهولندية. أفكر فيهن كثيرًا لأنهن من أكثر القوى أهميةً بالنسبة لي في العالم الروحي، وفي حديثي عن الفخر بفلسطين وعن التمسك بمبادئي وما أؤمن به

تبقى معي القصص التي أسمعها عنها من عائلتي: فناجين القهوة، رائحة المخبوزات في الفرن، وغير ذلك من الذكريات

هناك هالة معينة تحيط بالنساء العربيات: جمال، لطف، كرامة، قوة، حب، وعطاء. يمكنك رؤية ذلك في العيون، فالعيون لا تكذب. أفكر بجدتي التي اضطرت لترك بيتها وموطنها، حاملة أطفالها وعائلتها يسيرون على الأقدام. لولاها هي وجدي، لما كنا هنا اليوم. حافظا على رباطة جأشهما ورفعا رأسيهما عاليًا، ولم تمس الكراهية قلبهما قط. هذا يتطلب شجاعة كبيرة، وأكن لهما كل الاحترام على صمودهما

حين ننظر إلى أجدادنا وأسلافنا، وما قدموه من تضحيات من أجلنا، يصعب تلخيص ذلك الشعور بكلمات. أشعر بالامتنان العميق لهم. هناك صور جميلة لأبي وأمي أمام بيت العائلة القديم في فلسطين؛ تبدو أمي رائعة وهي ترتدي الكوفية. لازمت أبي وعائلته جنبًا إلى جنب، وهي من أرادت أن تمنحني الاسم الأوسط “خير”. إنه تذكير يومي بمسقط رأسي وبما مر به أجدادي لأكون هنا اليوم. يشرفني أن أكون قدوة لأي أحد لأني أحمل اسم أجدادي. هذا ما أفتخر به، وهذا ما أريد أن يكون إرثي

ياسمين: عادةً ما أفكر فيما مرّت به عوائلنا. لا غضب في قلوبهم، لا شيء سوى الحب والامتنان، وهذا ما علمونا أن نمارسه. ختامًا، كيف تودين أن يتذكرك الناس؟

بيلا: أريد أن يتذكروني بالحب الذي منحته للآخرين، وليس فقط بالأشياء التي قمت بها، والتي أفتخر بها طبعًا، فهذه باقية مهما حدث. لكن في النهاية، ما يبقى هو روحك فقط. هذا ما أفكر به في حياتي الآن. أريد أن يتذكرني الناس لما شعروا به معي

No more pages to load

Keep in touch with
Dazed MENA